01-08-2010
08-08-2010
15-08-2010
22-08-2010
29-08-2010
05-09-2010
05-09-2010م
للعدالة وجوه كثيرة... لكنها في مصر أكثر من اللازم
تلك الحرب المشتعلة من هنا الباردة من هناك
المستقبل - الاحد 7 آذار 2010 - العدد 3587 - نوافذ - صفحة 15
هاني درويش
أطل القضاء المصري بمستوياته المختلفة على الحياة العامة المصرية في مشاهد مختلفة الدلالة خلال الأسابيع الأخيرة. كان ذلك عبر أربعة مواقف قانونية جدلية، قدرت الصدفة أن تتجاور في ما يشبه الصدمة. لكنها للأسف لم تؤرق أحداً، أو أنها أرقت، بدرجات متفاوتة، جسداً متصلباً لم يفطن إلى تجاور أعضائه في المحنة، بما يرقى لمستوى الدلالة الكاملة والسياق الواحد.أتحدث هنا أولاً عن الحكم ذي الدلالة الذي أصدرته هيئة مجلس الدولة، بعدم اختصاصها النظر في أمر سيادي، هو تصدير مصر الغاز لإسرائيل، وذلك بعد حكم درجة أولى من نفس الجهة، يقضي بعدم جواز تصدير الغاز الثاني تمثل في رفض الجمعية العمومية لمجلس الدولة المصري بأغلبية 86% تعيين المرأة قاضية للمرة الثانية؛ ثم افراج نيابة أمن الدولة المصرية عن المتهمين السبعة في قضايا تفجيرات الحسين العائدة لفبراير/ شباط من العام الماضي؛ وأخيراً القبض على مدون شاب بتهمة الإساءة للقوات المسلحة المصرية.وتأتي أهمية جمع تلك الشذرات في لحظة استثنائية حبلى بأحلام الإصلاح السياسي، حيث يحلو للمجادلين الحديث عن مؤسسة القضاء المصري، كرافعة أصيلة في مشروع الدولة الحديثة، دولة القانون والعدل والمساواة. يتحدث هؤلاء عنها وكأنها رصيد ساكن وتاريخي لاشك في رسوخه، وهو الاحتساب - من النظام ومعارضيها- الذي لابد من التوقف عنده ملياً، خاصة وأن المهمومين بسؤال مصر غالباً ما يعدٌّون هكذا قضاء بفصام بين قضاء مدني وعسكري واستثنائي، وكأنه من مظاهر الرسوخ التاريخي لمفهوم الدولة في مصر. على المستوى المدني، جاء حكم محكمة القضاء الإداري بسيادية أمر الغاز ملغزاً، لا في دلالته، بل في تناقضه التاريخي مع حكم سابق، من نفس الجهة، بنفس المرجعية القانونية، وتناقضه الذاتي الذي أظهر في شق الحكم الثاني توصية الدولة بضرورة مراجعة اتفاقات الغاز كل فترة وربط أسعاره بالسوق العالمي.في التناقض الأول، لا يصح أن يُبتذل مستوى تعاطي القانون المصري مع أمر حساس كتصدير الغاز لتعامل «حواة المحامين» في أروقة المحاكم، عندما يراهنون على مرونة بعض الدوائر القضائية ويفضّلونها على غيرها، وكأن القانون شخصي، والمرجعية فيه تتحرك وفقاً للظروف، ودرجة لحية القاضي، على حد تعبير عادل إمام في فيلم طيور الظلام. المدعي في هذه القضية هو سفير مصري سابق، احتكم إلى القانون ليحل أزمة سياسية سيادية، وهو واثق أشد الثقة في حماية القضاء لثروة مصر، ومراهن أشد الرهان على غواية بعض القضاة بالحديث في المصلحة العامة.النظام من طرفه يعلم أن القانون مثله مثل أشياء كثيرة في مصر، حمال أوجه، لذلك طعن، وغيّر في هيئة التقاضي، فجاء الحكم بسيادية هذا الشأن. فماذا تركنا للمواطن العادي الذي بات يتشكك بوجود معيار واحد متفق عليه في قضية حساسة كتلك؟ تركناه للأسف في يأسه المعمم من العدالة، خاصة وأن الحكم ونقيضه هلل لكل منهما فصيل من الفصائل المتنازعة على فهم السيادة، والطرفان ويا للغرابة - أشادا بنزاهة القضاء المصري في الحالتين!على مستوى التناقض الداخلي للحكم نفسه، كيف ينفي حكم اختصاصه في الشأن السيادي، ويفتي في شقه الثاني بالنصيحة؟ أليس غريباً أن تقدم حكماً قطعياً بعدم اختصاصك بأمر، ثم تعطي لنفسك الحق في نصيحة الدولة باشتراطات مثل السعر والسوق العالمية وباقي تفاصيل الشأن السيادي؟القضية الثانية، هي للأسف نخبوية بامتياز، تستند على وعي جماهيري، وأقصد هنا التمييز ضد المرأة المصرية في أعلى سلطة قضائية مصرية. فبعد حكم تاريخي أدخل المستشارة «تهاني الجبالي» منذ سنوات إلى سلك القضاء، عدنا لسؤال البداية، وكأن الإجابة المتمثلة في «تهاني الجبالي» صدرت من هيئة قضائية في «الجابون». لا جديد في أحاديث الكثيرين عن تغلغل ليس الأفكار المحافظة فقط بين قضاة مصر، ولكن أفكار الإسلام السياسي أيضاً، ومواجهة الدولة منذ سنوات مع من أصطلح على تسميتهم بتيار الاستقلال بين القضاة، هي مواجهة مع الإخوان المسلمين، في نسختهم النخبوية المستترة. لم تفطن حتى النخب العلمانية إلى خطورة مبايعة المستشار زكريا عبد العزيز(قائد تيار استقلال القضاة) رئيساً لمصر في مواسم طرح أسماء البدائل. لم تجد تلك النخب في ظل عدائها الصبياني للنظام غضاضة في اختيار رئيس صرّح مراراً وتكراراً أنه ضد تعيين المرأة قاضية. دعك بالطبع من دفن الجميع رأسهم في رمال إزدواجية القانون المدني المصري، الذي خلط منذ تاريخه التأسيسي، بين القانون الوضعي الفرنسي وقوانين الشريعة الإسلامية، خلطاً أدى في النهاية إلى أن يتحدث الرافضون لتعيين المرأة قاضية عن «الدورة الشهرية» و«الحمل» وكدنا، أن نسمع - لولا الإحراج - جملة «ناقصات عقل ودين» في تبريرهم الأخير.لقد استندت جموع القضاة الرافضين لتعيين المرأة قاضية إلى نص أفتى به مؤسس القانون المصري الحديث «السنهوري»، وهو مرجع يمثل التشكيك في أحكامه خروجاً على الملة القضائية المصرية. السنهوري في تاريخ مصر القضائي هو «عطار العدالة» مزج بمهارة بين حقوق الإنسان والشريعة ومصلحة النظام. كان حكيماً في مزجه المقادير لدرجة تركت الباب موارباً، بعد ما يزيد عن نصف القرن، لكل من يؤوِّل كلامه في مصلحة أي من السلطات الثلاث المتداخلة.وبعد أن فتحت مصر (الريادية) الباب أمام تعيين القاضيات في كل العالم العربي والإسلامي، عادت لتغلقه على نفسها، بعد أن عينت سبع دول عربية نحو 1200 قاضية. عادت مصر لتنقلب على نفسها، أو لتقود العالم فى الإتجاه العكسي. الأمر هذه المرة لا يتعلق بسلطة الأزهر، الذي ينزع إلى مناوشة الدولة كل فترة بمرجعيته، بل يتعلق بقلب النظام نفسه. مثلما انتفض عشرات من أعضاء الحزب الوطني ضد تصريحات وزير الثقافة المصري الخاصة بالحجاب، متضامنين مع «إخوانهم» في الإخوان قبل سنوات، لم يحتج الأمر لكثير من اللف والدوران في جمعية عمومية لأعلى سلطة قضائية في مصر: «نحن نرفض تعيين قاضية»، هكذا قالوها ضد إكسسوارية مدينية، يدركون تماماً أن فصيلاً من النظام مصمم على استخدامها للتجميل لا أكثر، محتمين بمناخ عام كاره للمرأة، وباتهام ضمني لأي خطوة ليبرالية بأنها «مجاملة للغرب». غافلين عن ان ذلك يتعارض مع النص التأسيسي للدستور الداعي إلى عدم التمييز بين المواطنين على أساس اللون أو الدين أو الجنس.فيما يخص الحكم ببراءة المتهمين في أحداث الحسين، فهو إعادة حفر في جدوى المحاكم الاستثنائية لأمن الدولة المصري. فعلى الرغم من أن تشكك المراقبين، منذ ما يزيد عن العام، في القبض على مواطنين رسخ الاعتقاد في لمّهم هكذا صدفة لمناسبة تأكيد الطقس الأمني بأن «كل شيئ تمام»، وعلى الرغم من المناشدات الحقوقية بضرورة وقف «تمثيلية» القبض العشوائي على متهمين في قضايا الإرهاب، إلا أن الإفراج عن سبعة مواطنين بعد عام من الحبس الاحتياطي، بات لا يشغل بال أحد. عام كامل، تصل بعده التحقيقات إلى إنتفاء التهم الموجهة إليهم من أي منطق. فهل تحتاج تلك القناعة إلى عام كامل كي تتأكد، بعد أن هشمت الحياة الخاصة لسبعة أشخاص، وتحولوا ضيوفاً بحجم صورة اليد على صفحات الجرائد كمتهمين؟ المدهش أن ذلك يتزامن مع تراجع كافة الدول الداعمة لمسلسل الحرب على الإرهاب عن إجراءاتها الاحترازية، بل وشك الجميع في جدواها من أميركا إلى اليمن. لكن القبض العشوائي في مصر بحجة مكافحة الإرهاب، هو «المستر سين» للريادة المصرية التي لا تقبل منازعة في هذا الشأن.أخيراً يأتي القبض على أحمد مصطفى، طالب كلية الهندسة، ذي العشرين ربيعاً، كرسالة توجهها المؤسسة العسكرية لمن تسوّل له نفسه الحديث عنها. ذلك في الوقت الذي اتسع الهامش لأول مرة للحديث عن مراجعة دور تلك المؤسسة في حسم التنافس على السباق الرئاسي في مصر، وهو عنوان بات عادياً في مقالات الرأي والبرامج الحوارية الفضائية. من سوَّلت له نفسه هنا هو محمد البرادعي الذي نقلت عنه الصحف رفضه لرهن مستقبل مصر في يد المؤسسة العسكرية. انتقت المؤسسة مجرد مدون، يمثل عينة مختارة من الجمهور الارتجالي، الذي يدور في فلك الحالة البرادعية، جمهور المدونين وناشطي الفيس بوك، الذين حولوا البرادعي من مجرد اسم أو احتمال، إلى حقيقة قوامها ثلاثة آلاف مصري في مطار القاهرة. مسلك القضاء العسكري في اختيار متهم مجهول، يكسر اعتقاداً شائعاً لدى النخب بتراجع لغة الاستدعاءات «الشيك» المهذبة من تلك المؤسسة، والتي تنتهي غالباً بـ«قرصة أذن» لبعض الصحافيين هنا أو هناك، تجرأوا على الحديث، ولو بالتلميح عنها. وهذا هو التكنيك الساري منذ مدة في تعامل تلك المؤسسة مع المقتربين الحذرين من شؤونها أو تكيفها الذاتي مع ارتدادات «ذكرها المتكرر» في المجال العام. الرسالة المحمولة في سجن المدون لا تختلف كثيراً في طابعها عن تهديد عضو بارز في لجنة السياسات بالحزب الحاكم حين حذر البرادعي بالاعتقال وفقاً لقانون الطوارئ في برنامج تلفزيوني.ما ذكره الشاب في مدوّنته عن حالة فردية في الكلية الحربية، لا يخرج عن مزاج عام شفاهي، يربط بين ما يحدث في الواقع المدني المعلن، وما يحدث في حصن العسكرية المصرية، لذا تبدو انتفاضة المؤسسة منطقية لإعادة تعريف حدود نقدها. فلن تسمح مؤسسة هي الإطار الحاكم السري لكل شاردة وورادة في مصر أن تُضبط في وضع تلبّس يهدم الجدار بين خارجها وداخلها.طبيعة المشاهد الأربعة تشكك في جدوى الإصلاح السياسي بدءاً من تغيير الدستور. فالترسانة الراسخة للقوانين المرنة المتكيفة مع ازدواج السلطات في مصر أمنياً وعسكرياً، فقهية وقانونية، بل والاستخدام الوسائلي للقانون بما يراعي متطلبات التوازن التاريخي بين تلك المؤسسات، يشكك في جدوى ذلك النضال الفوقي المبدئي. فالدستور بالطبع هو اللبنة الرئيسة في مفهوم العدالة المواطنية، والوصول إلى نصوص جامعة مانعة غير قابلة للتأويل وفقاً للمتطلبات هو البداية لأي تأسيس حقيقي لدولة حديثة. لكن المقاومة التي يبديها النظام في الخطوة الأولى (الدستور) تنبئ بأن مقاومة قوى اجتماعية أخرى ستكون أشد في الخطوات التالية. عندما ندخل أكثر في التفاصيل ونحاول تفكيك تلك البنى المتشعبة من المظلومية العدلية، سيظهر الأزهر وقوى الإسلام السياسي، عند الحديث عن مبدأ المواطنة، وتظهر المؤسسة العسكرية بمجرد التوغل في بنية قوانينها الجاهزة للانقضاض على أي وعي مديني، ويظهر حماة العروبة ومشعلي حرائق العداء مع إسرائيل، متضامنين مع تراث المؤسسة العسكرية إذا ما اقترب أي إصلاح قانوني من تعريف «الأمن القومي المصري». ربما تكون عبقرية النظام التي لا يدركها بنفسه، أنه خلق تنويعات من المدافعين اللاواعين عن مسيرته الكارثية، أو بمعنى آخر أنه ترك مهمة الدفاع عن بقائه لخصومه. أي أنه خلق البيئة الطبيعية المقاومة للتغيير، وهو مجرد مشاهد الآن لماكينة تعمل تلقائياً دون تدخل منه، في حين يكتفي هو بتشغيلها فقط عبر الريموت كنترول، من بعيد لبعيد.