01-08-2010

08-08-2010

15-08-2010

22-08-2010

29-08-2010

05-09-2010

05-09-2010م

طريقنا الصعب إلى الديموقراطية.. والتنمية أيضاً


حين يهب الأدب دلالته للمناهج النقدية يغدو ميتاً من فوره


تحوّلات دستورية حيثما كان.. وفضاء عربي مُثقل بالردَّات


طريقنا الصعب إلى الديموقراطية.. والتنمية أيضاً

المستقبل - الاحد 7 آذار 2010 - العدد 3587 - نوافذ - صفحة 18

مسعود ضاهر

في السنوات القليلة الماضية كثرت المؤتمرات والندوات العلمية في المغرب العربي ضمن مخطط عام لإظهار خصوصية دوله أولا، والدعوة إلى تفعيل الأطر القانونية والحقوقية للاتحاد المغربي ثانيا، والتركيز على الكلفة العالية لعدم تفعيل الإتحاد المغاربي على أسس شبيهة بالإتحاد الأوروبي ثالثا، وتشجيع التعاون المباشر بين دول المغرب ودول الإتحاد الأوروبي رابعا .
لذا يلاحظ تراجع كبير في أشكال التعاون الثقافي بين مشرق العرب ومغربهم بسبب ضعف الإمكانيات المادية من جهة، وبروز اتجاهات سياسية لدى الجانبين تتبنى مقولة عدم جدوى الحوار الثقافي بين مؤسسات ثقافية عربية تشكو عدم المصداقية، وانعدام الفاعلية والثقة بأهدافها وبالقيمين عليها من جهة أخرى. وقد شهدت السنوات الخمس الماضية ضمورا واضحا في عدد المؤتمرات والندوات العلمية المشتركة بين ضفتي العالم العربي، المشرقية والمغربية، لصالح دينامية متزايدة لتعزيز التعاون بين المغرب العربي ودول الإتحاد الأوروبي، مجتمعة أو منفردة. وقد لعبت المؤسسات الثقافية الأوروبية الداعمة لهذا التوجه دورا أساسيا في هذا المجال.
بيد أن مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات في تونس ما زالت بين قلة من المؤسسات الثقافية العربية المستقلة، تحاول القيام بعمل متميز، وتبذل جهودا مضنية طوال أكثر من ثلاثين عاما. وحاولت سد الفجوة عن طريق ندوات علمية متخصصة وعلى غاية في الأهمية بهدف تعزيز الروابط الثقافية بين العرب والأتراك، وبين المغرب العربي والمشرق العربي، بالإضافة إلى دول الخليج العربية، وبين العالم العربي وأوروبا في مختلف مراحل عصر النهضة، وبين دول الإتحاد المغاربي، وبين دول المغرب العربي ودول الاتحاد الأوروبية، وغيرها.
في هذا السياق عقدت المؤسسة مؤتمراً هاماً في الفترة ما بين 11 و12 كانون الأول 2009، وبالشراكة العلمية مع المؤسسة البلجيكية مفوضية «والوني بروكسيل» وقد حمل المؤتمر عنوانا سجاليا: «مساقات الديمقراطية والتنمية المستدامة بالمغرب العربي وبأوروبا». وقد أتيحت لي الفرصة للمشاركة فيه إلى جانب باحثين متخصصين وفدوا من بلجيكا وتونس والجزائر ولبنان وسوريا والمغرب الأقصى والولايات المتحدة الأميركية. وتمحورت الأوراق البحثية حول رهانات الديمقراطية وعلاقاتها العضوية مع التنمية المستدامة وارتباطهما بمفاهيم علمية تحلل فاعلية المجتمع المدني، والمواطنة، والشفافية، والمشاركة الشعبية، ونجاعة الحاكمية، ودور المرأة في إرساء المجتمع الديمقراطي والتنمية المستدامة. وقد رافقت المؤتمر نقاشات حرة ومعمقة تناولت بالنقد والتحليل جميع الأوراق البحثية بهدف الوصول إلى استنتاجات علمية رصينة حول موجبات الجمع بين التنمية والديموقراطية عند وضع خطط التنمية العربي التي باءت جميعها بالفشل لأسباب ذاتية وموضوعية.
طالب الباحثون العرب بضرورة تعميق الانفتاح السياسي والثقافي عل تجارب التحديث الغربية والآسيوية في مجال إقامة التوازن بين التنمية والديموقراطية.
وحملت المحصلة النهائية لثمانية عشر بحثا قدمت إلى المؤتمر آراء مهمة تظهر حاجة الدول العربية، في المشرق والمغرب، إلى التنمية المستدامة على ضوء ما أظهرته تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من تخلف مريع في جميع الدول العربية بسبب هشاشة البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية في المنطقة العربية. وهناك حاجة ماسة إلى توضيح التلازم بين رهانات الديمقراطية والتنمية المستدامة، مع التركيز على الطابع التحرري لثقافة السلم ومستقبل الهوية في الدول العربية والأوربية، وتحليل التحولات الاجتماعية والاقتصادية ومساهمة الفرد في الأمن والاستقرار. وذلك يتطلب معالجة ظاهرة الفساد وتأثيرها السلبي على التنمية الاجتماعية والاقتصادية ودورها في تبذير المال العام وعلاقتها بتعطيل المسار الديمقراطي والأداء السياسي الجيد. فالفساد يولد بيئة فاسدة وشرائح فاسدة تحول دون اتخاذ القرار السياسي الفاعل في اتجاه إرساء الديمقراطية.
وتنبه الباحثون إلى جدلية العلاقة بين التنمية الشاملة والديمقراطية في العالم العربي، والدروس التي على العرب الاستفادة منها بعد انهيار الأنظمة الشمولية السابقة وتبنيها أنماطا سياسية ذات مسحة ليبرالية لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان. فقد أهدرت موارد عربية كبيرة طوال العقود الماضية دون أن تحقق خطط التنمية العربية أيا من الأهداف التي رسمت لها. ولم توفر العدالة في توزيع الثروة ولا تكافؤ الفرص أمام المواطنين، بل قادت إلى تفشي الأمراض الاجتماعية وتدهور نظام القيم والسلوك الفردي والجماعي. وشددوا على فك الارتباط مع الخارج، وبناء إستراتيجية تنموية عربية جديدة تشجع الاعتماد على النفس، وعلى أهمية الترابط الوثيق بين التنمية المستدامة والديمقراطية.
أشارت بعض الأبحاث إلى أن المجتمع المدني في الوطن العربي يتسم بخصوصيات محلية في كل من المشرق والمغرب، منها التنوع الكبير في التشكيلات العصرية والتقليدية التي تعيش جنبا إلى جنب. وقد برز توجه واضح نحو تقارب عربي عابر للحدود وجامع للشعوب العربية حول قضايا مشتركة رغم الصعوبات الجمة التي يواجهها على المستوى الرسمي. فهي تطالب بديمقراطية متطورة تستند إلى تطوير التنمية البشرية، وإنشاء نظم سياسية جديدة تمنح المواطن العربي الشعور بامتلاك الأفكار البناءة والخلاقة واستعداده للمساهمة في تسيير الشأن العام. وذلك يتطلب القيام بمبادرات تربوية متواصلة لإقناع الأساتذة والطلبة العرب بتقديم اقتراحات وحلول عملية لتطوير العلاقات العربية العربية، وتعزيز الروابط مع شعوب البحر المتوسط. ومن أولى واجبات الدول العربية اليوم أن تعمل على تطوير التنمية المستدامة بالتزامن مع البنى الديمقراطية، وإصلاح الهياكل الإدارية والاقتصادية والتعليمية، وتعزيز نظام العدالة ومحاربة كل أشكال الفساد والإفساد، والمشاركة الفاعلة في بناء عولمة أكثر إنسانية.
على جانب آخر، شدد بعض الباحثين على أن المجتمع المدني في الوطن العربي يتسم بخصوصيات محلية في كل من المشرق والمغرب، منها التنوع الكبير في التشكيلات العصرية والتقليدية التي تعيش جنبا إلى جنب. وقد برز توجه واضح نحو تقارب عربي عابر للحدود وجامع للشعوب العربية حول قضايا مشتركة رغم الصعوبات الجمة التي يواجهها على المستوى الرسمي. فهي تطالب بديمقراطية متطورة تستند إلى تطوير التنمية البشرية، وإنشاء نظم سياسية جديدة تمنح المواطن العربي الشعور بامتلاك الأفكار البناءة والخلاقة واستعداده للمساهمة في تسيير الشأن العام. وذلك يتطلب القيام بمبادرات تربوية متواصلة لإقناع الأساتذة والطلبة العرب بتقديم اقتراحات وحلول عملية لتطوير العلاقات العربية العربية، وتعزيز الروابط مع شعوب البحر المتوسط. ومن أولى واجبات الدول العربية اليوم أن تعمل على تطوير التنمية المستدامة بالتزامن مع البنى الديمقراطية، وإصلاح الهياكل الإدارية والاقتصادية والتعليمية، وتعزيز نظام العدالة ومحاربة كل أشكال الفساد والإفساد، والمشاركة الفاعلة في بناء عولمة أكثر إنسانية، ووضع الخطط التنموية الشاملة.
وذلك بهدف الحفاظ على الطاقات الإبداعية والمالية العربية داخل الوطن العربي، واستعادة أعلى نسبة ممكنة من الكفاءات العربية المهاجرة إلى الخارج. فبدون الحفاظ على الأدمغة العربية، والموارد المالية داخل الوطن العربي لا يمكن تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة في أي دولة عربية.
تجدر الإشارة إلى أن تلازم التنمية مع الديموقراطية يعتبر من المقولات الأكثر أهمية وخطورة في السجال الثقافي الدائر اليوم على الساحة العربية. فهي تحدد موقع العرب على ضوء التطورات الدولية المتسارعة في عصر العولمة. وقد خصص المفكرون النهضويون العرب لهذه المقولة مؤتمرات وندوات كثيرة. فاعتبرها البعض إشكالية تؤكد على ارتباط الديمقراطية بالتنمية المستدامة لأن الديمقراطية هي العامل الحاسم في تنمية الشعوب العربية طالما أن التنمية المستدامة تبدأ أولا بالإنسان ولا تنفصل أبدا عن التنمية الاقتصادية المستدامة. لكن مثقفين آخرين، من أوساط الأنظمة العربية المسيطرة تحديدا، ذهبوا في الاتجاه المعاكس. فرأوا أن التنمية الاقتصادية هي التي تفتح الباب أمام تحولات جوهرية تمهد لقيام الديمقراطية والتنمية المستدامة.
المسألة إذن سجالية بامتياز، وقد حظيت باهتمام الباحثين من مختلف الجنسيات والمدارس الفكرية والسياسية. فأكدت تجارب التحديث الأوروبية على جدلية العلاقة بين الديمقراطية والتنمية. وقدم مفكروها إجابات واضحة وصريحة عن التساؤلات المنهجية التي تبرز أهمية هذه المقولة في بناء الحكم الصالح، والتنمية البشرية المستدامة. وأعطت تجارب التحديث الأوروبية الأولوية للحريات الفردية والعامة، وأقامت دولا ديموقراطية عادلة ترعى شؤون التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.
في حين وضعت اليابان والصين ودول النمور الآسيوية مسألة الديموقراطية في مرتبة أدنى من التنمية المستدامة.
فلم تربط غالبية الدولة الآسيوية التنمية بالديموقراطية إلا بعد أن أنجزت خطوات متقدمة على طريق بناء مجتمع المعرفة. وتبعتها في ذلك دول أميركا اللاتينية، وبعض الدول الأفريقية والآسيوية. في حين أعطت الهند مسألة الديموقراطية الأولوية التي تستحق في بناء مجتمع حر يسير بخطى ثابتة لنشر المعرفة، والعلوم العصرية، والتكنولوجيا المتطورة، وبناء التنمية المتوازنة على أسس عقلانية سليمة. وهناك أوراق بحثية مهمة قدمت مؤخرا إلى المؤتمرات والندوات الثقافية العربية تشدد على الجمع بين التنمية والديموقراطية ووضعهما في سلم أولويات النهوض العربي.
نخلص إلى القول أن الدول العربية، الملكية منها أو الجمهورية، لم تحسم خيارها في هذا المجال. ولم تتبن مسارا واضحا للتنمية الشاملة وما إذا كانت تسبق الديموقراطية، أو تتزامن معها، أو تعقبها. ومع أن غالبية المتنورين والنهضويين العرب شددوا على أن التزامن بينهما هو المدخل السليم لتحقيق حداثة حقيقية، فإن أيا من الدول العربية لم تتبن تلك المقولة النظرية. وهي تصنف في عداد الدول العاجزة عن بناء المجتمع المستقر، والحكم الصالح، والتنمية المستدامة. فلم تنجح في بناء ركائز التنمية المستدامة والدولة الديموقراطية العادلة من جهة. وفشلت في بناء دولة القانون والمؤسسات العصرية من جهة أخرى. كما عجزت عن ضمان المساواة والعدالة بين جميع المواطنين، ولم تواكب ثورات العلوم والتواصل والمعلومات. وهي تعاني اليوم أزمات حادة في مختلف القضايا السياسية، والإدارية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية، والثقافية وغيرها. ومع فشل سياسات التنمية الشمولية زاد التوتر في غالبية الدول العربية، واشتدت وطأة القمع على شعوبها التي تعاني اليوم نقصا فاضحا في مجال اكتساب المعارف العلمية المتاحة بسبب ارتفاع نسب البطالة، والأمية، والفقر، وتلوث البيئة، والهجرة الكثيفة إلى الخارج.
ختاما، قدمت أبحاث مؤتمر «مساقات الديمقراطية والتنمية المستدامة بالمغرب العربي وبأوربا»، تحليلا معمقا لعلاقة الديموقراطية بالتنمية المستدامة على المستوى العربي. وقد حفل المؤتمر بأبحاث أصيلة لمعالجة المشكلات الحادة الناجمة عن كلفة غياب الديموقراطية. ودعت الباحثين العرب إلى تقديم رؤية عربية واضحة المعالم والأهداف حول أهمية االديموقراطية في بناء التنمية المستدامة على أسس علمية وعقلانية. فالعالم العربي اليوم بأمس الحاجة إلى حلول إستشرافية للخروج من الأزمة الراهنة، وإطلاق ورشات عمل للتوعية بأهمية التنمية المستدامة كمدخل أساسي لإطلاق نهضة جديدة بخصائص عربية، ولأهداف إستراتيجية تطول حاضر العرب ومستقبلهم. فالثقافة المأزومة، والمثقف المطارد، والمجتمع المدني الفاقد القدرة على العمل الحر والتغيير الديموقراطي هي من الأسباب الجوهرية التي تفسر بدقة ما يشهده العرب من إخفاقات متلاحقة رافقها قمع منظم للثقافة العقلانية، ومصادرة شرسة لحرية الرأي والعمل الديموقراطي، وفشل مريع في بناء التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة على امتداد الوطن العربي.

 

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال

 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005