01-08-2010

08-08-2010

15-08-2010

22-08-2010

29-08-2010

05-09-2010

05-09-2010م

دعوات زاجرة لإقناعنا بكره البلد الذي نقيم فيه


المكافأة مناصفة بين الاثنين، منتحل الرواية وكاتبها


دعوات زاجرة لإقناعنا بكره البلد الذي نقيم فيه

المستقبل - الاحد 7 آذار 2010 - العدد 3587 - نوافذ - صفحة 19

محمد الحاج صالح

« ما تقوم به لا يعجبني»
«أكرهك»
«سأقتلك»
هذه كلماتٌ قِيلت في الشارع في «أوسلو» العاصمة النرويجية للممثل الكوميدي النرويجي «زاهد علي».
و«زاهد علي» كوميدي وُلد في أوسلو وعمره الآن33 عاماً. والداه من أصل باكستاني.
يقوم زاهد علي بتمثيل «قفشات» سخرية تطال المهاجرين والنرويجيين، تعرض في المحطات التلفزيونية، وتنتشر أيضاً عبر الانترنت. المضمون هو دائماً فكرة جدّ بسيطة تُضخّم ويركّز عليها، تماماً كما يفعل رسام الكاريكاتير في تضخيم عضو من أعضاء الجسد. الغربيون معتادون على النقد وعلى السخرية التي تتناول كل شيء وعدا الأمور الشخصية الحميمة. أما أكثرية المسلمين هنا، فيمكن القول إنهم قد يتسامحون في النقد الشخصي، لكن ليس في شأن عامّ يهمهم. والأمور العامة هذه التي ينتفض بعض المسلمين الأوروبيين للدفاع عنها، ليست فقط الدين الاسلامي، وإنما والأهم ذاك الخليط بين عاداتِ وتقاليد قرية في وزيريستان في باكستان، أو قرية في قمّة جبال الأطلس في الجزائر، وبين الإسلام.
شبان وشابات ونساء كُثُر يتعرضون للمضايقات بالكلام وبالمراقبة وبالحدْج بعيون غاضبة. وفي حالات معيّنة جرت اعتداءات باللّكم والرفس، فضلاً عن الوعظ. من يقومون بهذه الأعمال صاروا يعرفون بـ «الشرطة الأخلاقية»، وهو اسم أطلقته الصحافة النرويجية على أولئك المتشدّدين الإسلاميين الذين يرون أنّكَ تخالفُ تعاليم الإسلام باللباس، أو قصّة الشعر أو طريقة الكلام، أو طريقة العيش، أو سمعوا عنك بعض المعلومات التي توحي من وجهة نظرهم أنك لست مسلماً إسلاماً صحيحاً، وأن عليهم واجب تقويمكَ. بالعربية تقابل التسمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أما إذا تساءلتَ ماهو الاسلام الصحيح، وكيف يكون المرء مسلماً جيداً؟ فإن الجواب يأتيكَ بحزمة من أفكارِ التشدد المُنتقاة. فالحجاب مثلاً هو الموضوع الأكثر تناولاً، وهو الموضوع الأثير لدى هؤلاء لأنه يجيّر آلياً الرصيدَ الديني لمصلحتهم. طبعاً هناك مسلمون معتدلون وليبيراليون لهم رؤيتهم للإسلام، لكنهم يصابون بالخرس أمام عدّة الإسلامي من السور والأحاديث التي يفسرها وفق رغبته وهواه. وقلما يأخذ الجدل حول الحجاب طريقاً موضوعياً هادئاً، فالربط بين الحجاب والعفّة جاهز على طرف اللسان. أي أن الاتهام الأخلاقي بالعلاقة اللاشرعية للمرأة جاهز. والذين يتمترسون خلف هكذا زعم لا ترفّ لهم عين عندما يعرّضون بالمرأة بهذا القدر من الرخص. ولكون كل شيء هنا علنيّ ومتاحٌ فإن الأصولي لا يَعدم أمثلةً من الواقع. هنا بلادُ حرية، والفلسفة السائدة هي أن جسد المرأة ملكها، وأنها هي من ترغب أو لاترغب. إذْ حتى مع الزوج يمكن أن يصنّف بعض السلوك تحت مسمى «الاغتصاب» المؤدي إلى العقاب.
حدث أن قالت امرأة عربية مسلمة، في ندوة عن الإسلام هنا في النرويج، إن «لحم» المرأة المسلمة يحرم على الكافرة، وأفاضت بالشرح أن على المرأة المسلمة أن تحرص على أن لا ترى المرأةُ المسيحية أو اليهودية أو أي امرأة من أي ديانة أخرى «لحم» المرأة المسلمة. ومن المؤسف أن حتى استخدام الكلمات كان غير موفق بحيث استخدمتْ وبالنرويجية كلمة «لحم» بدلاً من جسد مثلاً. والغريب أن هذه المرأة العربية المسلمة مولودة في إحدى دول أوروبا المركزية، وهناك نالت تعليمها، و هي متزوجة وتقيم في النرويج. أي أنها لم تعش في بلد عربي أو إسلامي طيلة حياتها، ومع ذلك وجدتْ طريقها إلى التشدد، وإلى طبعة من الإسلام لا تني تضرّ من حيث تعتقد أنها تنفع.
أفراد «الشرطة الأخلاقية» لهم لحى طويلة، وعادة ما يكونون محفوفي الشوارب، وأكثرهم يرتدي لباساً باكستانياً. هم يدمجون بين مهام الدعاة الإسلاميين المعروفة، وبين تقليد التبشير المسيحي. لكن الفرق المأسوي هو أن التبشير المسيحي موجّه لغير المسيحيين وذا تراكم وخبرة تاريخيين، لذلك سرعان ما ينسحب إذا ما لمس عدم قبول، ثم يعاود الكرة وغالباً بنعومة ورقة قد تكونان مجرّد عِدّة شُغُل. أما «مبشرونا المسلمون» هؤلاء فينشطون بين المسلمين، وتبشيرهم، أو نصحهم كما يحبون أن يسمّوا، دبقٌ وملحاحٌ، ويحمل في طياته إدانتكَ، ويسبب شعوراً فورياً بالذنب نتيجةً لاتهامكَ بعدم صحة دينكَ. والأنكى أنهم إذا ما علموا عنكَ معلومة، وبالأخص عندما يأخذون انطباعاً بأنك لم تقدّر عملَهم، فإنهم لن يمانعوا في أن ينشروا المعلومة حتى لو أصابكَ ضررٌ. وإضافة إلى العدة الدينية واللغوية من أحاديث وآيات ومن ادعاء بالحصانة الأخلاقية، يَحُوزون على سلطة من نوع خاص. سلطة تخويفية. سلطة مُوّلدة للخزي والخجل والخوف والعار.
المشكلة في نشاطهم أنهم يولّدون لدى بعض الشباب، وعند عدد لا يستهان به من مهاجري الجيل الأول، حالة رافضة للمجتمع لا بلْ، وفيما يتعلق بالأمور الحساسة كحقوق المرأة وحقوق الطفل، فإنهم يورّطون المسلمين الأوروبيين في مخالفات قانونية. فالقوانين هنا تمنع أي عنف يطالُ الطفلَ أو المرأة، بدءاً من العنف الكلامي إلى العنف الجسدي. والحال أن أولاء المرشدين لا ينصحون إلا بالنسخة المتشددة من الاسلام والتي تتضمن عقوبات، تصنف هنا بالعنيفة. والنتيجةُ جد خطيرة. فالمسلم الأوروبي بحاجة للمجتمع من أجل العمل، ومن أجل صحته، ومن أجل مستقبله، ومن أجل تحسين وضعه وتعليم أولاده، بينما يطلبُ التشدّدُ منه أن يتّخذ من هذا المجتمع عدواً أو خصماً أو على الأقل يورّطه في خطأ أخلاقي يتلخّص في نقص الولاء القانوني والأخلاقي. إذْ من المعيب أن يأكل المرءُ في صحن ثم يبصق فيه. يمكن للمرء أن لا يكون موالياً سياسياً، بل الأفضل أن يكون فاعلاً وانتقاديا طالما تعلّق الأمر بالسياسية. أما الخطيئةُ فتقع عندما يتناول الغلط المبادئ الأخلاقية والقانونية. وكم من عائلة مسلمة وقع بعضٌ من أفرادها تحت طائلة القانون والفضيحة بسبب أمور كهذه.
في مبادرة لتأسيس منظمة للمسلمين الليبراليين، وذوي الاعتدال، قالت إحدى المؤسسات «تينا كورنمو»، وهي امرأة مسلمة: «نحن مشغولون بتخفيف الخوف المتزايد من المسلمين (في النرويج وفي أوروبا). هناك الكثير من الجدل السلبي حول الإسلام والمسلمين ونحن نريد الخروج من هذه الدائرة المعيبة في إظهار أن إسهاماتٍ إيجابية كثيرة تحدث أيضاً. وأضافت «إن مهمتنا هي مكافحة الأحكام المسبقة من قبل أي طرف جاءت».
ما منْ شكّ أن نشوء مرجعياتٍ مسلمة ليبرالية، ومعتدلة ووسطية، في أوروبا سينزع من جهات التطرّف جزءاً مهماً من الادعاء بتمثيل المسلمين، وسيُلقي نوراً كاشفاً على إسلام معتدل، وسطي، منفتح، وقادر على الدخول في حوار بين الأمم والحضارات.

 

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال

 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005