|
الأميرات للحكايات الخرافية فقط المستقبل - الاحد 7 آذار 2010 - العدد 3587 - نوافذ - صفحة 20
محمد بركات (إلى عتاب، زوجتي، في يوم ما)
القبلة تشتم أحيانا، ليس الفم فقط. واليد التي تلعب بالخدّ صفعة مؤجّلة. كذا القدم لاعبتها بالأمس ترحل اليوم، تمشي إلى البعيد، تصاحب أرصفة غريبة. أعرف من أين تنبع القسوة: من أخطاء تركناها تنمو على ضفافنا، من تعب يزحف كما لو أنّ الحياة نهار واحد والتعب نهايتها، من كلمات ثقيلة نتقاذفها، من حطام نصيره كلّما أنهكنا. أعرف من أين يأتي الليل: من نهارات خاطئة دوما، من أغنيات لا ننتبه إليها إلا حين نشبهها. أعرف من أين يأتي الرحيل: من أوجاع ننساها في المفاصل حتى الصدأ، من صور نكدّسها: كؤوس ألم نعبّئها ضاحكين. أعرف من أين تأتين: من غيابك الدائم وإن حضرتِ، من وداعات كثيرة كما لو أننا نتمرن على الموت. أعرف من أين يتسلّل البكاء: ماء الخوف وملح العتاب. أعرف من أين يأتي الحزن: من توقعاتنا الخائبة وانتظارات مجبولة بندم، من بنادق صوّبناها نحو صدورنا وظننّا أننا نقتل الغيم. عام كامل لأزيل الكحل من فوق عينيك، عام كامل لأمشّط شعرك كما أريد. في الوجه: من العينين أو ما حولهما، في الرأس أو ما عليه، كانت المسافة طويلة جدا، عامان تقريبا لأنظر إليك كما أريد. كم من الأعمار يا ترى سأمضي كي أدخل فيك - في رأسك - لا مسمارا بل فكرة؟ كي أمشّط شعرك من الداخل وكي أرى تحت الشعر وخلف الكحل؟ كم من الأعوام لأقطع المسافة بيننا. نكره صورنا في عيون الآخرين: الصور التي نحن عليها حقا. دائما وأبدا نظنّ أننا غيرنا. وأنا هكذا لم ألتق بمرآة قبلك، لم أنظر جيدا إلى واحدة، لم أفكر ما هي صورتي في العيون. قبلك: قبل الكحل الغجري السميك التائه فوق العينين، قبل اليدين الرقيقتين ككُسر مؤجل، قبل الأنف الذي تكرهينه وأحبّه ولا تصدّقين، قبل الخدّين الناعمين مثل لسان، قبل الشفتين الحمراوين تدلّان التائه إلى تحت، قبل ميلاد القبلة على صليب من أسنان، قبل كلّ ذلك كنت أعرف كلّ شيء، كنت أنظر إلى المرآة وأظنّ أنني أرى. لم تكن الأسئلة تدخل فيّ، كانت تخرج فقط. اليوم وقد صرت كحلك، اليوم وقد تعلّقت خلفك مثل شعرة في الظهر، صارت الأسئلة تدهسني. ثمة كحل تقحطينه في رأسي ثمة أفكار تمشّطينها جيدا. أنتِ: يا عدوّة الحروف كيف تسلّلت إلى رأسي؟ يا كارهة الشعر من أين نبتِّ قصيدة لا تنتهي؟ أيتها التي تحبّ أظافرها أكثر من شِعري، التي تفضّل النراجيل على الأفلام، التي تستبدل الجريدة بالكلمات المتقاطعة... أنت والكتب التي قرأتها كلّها والقصائد التي كتبتها والأفلام التي شاهدتها كلّها أيضا لم تدخلني أبعد من الكحل والشعر، بعد عامين، لكن: أيتها القاسية كنشوة، أيتها الصعبة مثل حرف أوّل، لا مثل لثغة، أيتها اللئيمة مثل عمّة عانس محاطة بأطفال أخوتها، أيتها العالية مثل عتبة خرقاء(..)
|