01-08-2010

08-08-2010

15-08-2010

22-08-2010

29-08-2010

05-09-2010

05-09-2010م

معرض لوحات ريم الجندي «رجال» في غاليري جانين ربيز تحريف ومراجعة وتركيب وتوليف تهّب على الورد والرماد معاً


كأنّ القدر لم يعد يعمل بمفرده


معرض لوحات ريم الجندي «رجال» في غاليري جانين ربيز
تحريف ومراجعة وتركيب وتوليف تهّب على الورد والرماد معاً

المستقبل - الاحد 31 كانون الثاني 2010 - العدد 3554 - نوافذ - صفحة 9

وضاح شرارة

في ما يشبه تمريناً على النظر والفهم معاً، أي على النظر الفاهم والجامع الحس والشكل والحادثة في معنى مدرك، أحاول وصف اللوحة الأولى في معرض ريم الجندي، «رجال» (غاليري جانين ربيز ببيروت، 6- 28 كانون الثاني 2010). وحالَ كتابةِ ما أحسبه شرحاً أو بسطاً لمعنى أريده، بدا لي أنني أحاول عبثاً وما لا طائل من ورائه. فالنظر لا ينفك من الفهم، والحس لا ينتفي من الصورة والحادثة اللتين يأتلف المعنى منهما ومن مادتهما المحسوسة. وإذا حصل خلاف الأمر هذا، أي إذا انفك النظر من الفهم واستقل الحس من الصورة والحادثة، فهو قرينة على خلل واضطراب فادحين. ويقود التمثيل على هذين الى الاعتلال العصبي والدماغي، أو الى اختبارات التفكك والتحلل المهلوسين بواسطة الأعشاب ومركبات الحبوب الصيدلانية، وإلى ضرب من «العلم من طريق الهاويات»، على قول أحد أهل هذا «العلم».
ولا يحملني إدراك اختلاط النظر بالفهم والفهم بالنظر اختلاطاً لا فكاك منه إلا في بلاد الهاويات والهلوسة والأهومة، على ترك التمرين المزمع او المحاولة. فرائي اللوحة، وهي «سوبرمان»، طرف خيط اللوحات الأربع والعشرين المتصلة، يدخلها كالداخل أو النازل في سرداب مظلم ومتعرج، وعليه ان يلتمس طريقه فيه بيديه وقدميه وجسمه كله وعينيه الكليلتين ولهاث نَفَسه، وباجتهاد ذهنه وكده على وجه الخصوص. فإذا نقل قدماً نقلة ضئيلة، ووازنها بتوتر ذراع وشد رقبة ورفة جفن، كان عليه ان يستدرك على هذه كلها بقولها في سره، وتدوينها في مدونته السائلة والمليئة بسمك الكلمات والجمل وتراكيبها. فالفعل، بهذه الحال، لا يتماسك ويستوي شيئاً يعتد به، إلا بقول يقوله ويسدد خطى ملتمس الطريق في السرداب، ويكون خيطه في العتمة.
[صورة الصورة
والكلامُ على عتمة وسرداب بإزاء «سوبرمان»، ولوحات أخرى «تشبهها» مثل اللوحة الثانية في الترتيب (نار) والثالثة (درس صيد) والعاشرة (في خطر) والرابعة عشرة (مصارعون)...، لا يناسب الحال. فمعظمها يغشاه ضوء صريح ومبين، والصور والأشكال هندسية. والألوان إما قانية صارخة الحمرة أو الزرقة أو الخضرة أو المذهَّب أو البني أو الأسود وإما رائقة بائخة ومتربة. ويبدو ترتيب أجزاء اللوحة، ما عدا قلة قليلة لعل أبرزها اللوحة 23 (ساكن الشقة، أو المقيم) ساذجاً بسيطاً وحكواتياً، أو مروياً على رسم قَصَس الحكواتي الواضح والمباشر. وقد يكون هذا صحيحاً للوهلة الأولى، ولكنه لا يتماسك في الاختبار.
فسرعان ما يلاحظ الرائي الى «سوبرمان»، اللوحة، ان ما خاله من بعيد تقليداً سيئاً أو تقريبياً ومدرسياً لملصق دعائي، أو «بوستر»، لا تستقيم رؤيته على هذا الوجه وهذه الحال. فما تدعو اللوحة الى النظر إليه، وتقرير حضوره والصدوع به واستقباله، ليس سوبرمان، «الشخص» المفترض والقائم قبل الصورة ووراءها والمقيم على وجوده خارجها. ويصدق هذا في حال سوبرمان، المتخيل وصنيعة الصور والكلمات والأخبار المنحولة، شأن التأنيث (اللوحة السادسة) وبعل (اللوحة السابعة عشرة) على نحو ما يصدق في صياد «درس الصيد» أو في الشاب المتوسط لوحة «في خطر» أو في «العزيز أندي» (اللوحة الواحدة والعشرون). فما تدعو اللوحة، جهاراً، الى النظر إليه هو صورة الصورة، أو تقليد الصورة، السيئ والتقريبي والمدرسي، على ما تقدم القول للتو. وهي تدعو الى هذا، وتقرّ به على ما أزعم، لأن موضوعها، أو مدار اللوحة وما عليه مبناها ومناطها، ليس سوبرمان، ولا ملصقه المعروف والمشهور.
واللوحة إنما تستقبل مشخص سوبرمان، وتصوره على شاكلة المشخصات والمجسمات الخشبية أو البلاستيكية التي تنصبها دور السينما على أبوابها، وتتوسلها مطية الى التقريب والترغيب ليس إلا. فلا تجتهد في دقة التصوير، وفي تجميل الألوان ومناسبتها بعضها بعضاً. فتتعمد (اللوحة) إخراجَ نظرة سوبرمان من إطار اللوحة، وحرفَ جسمه وقبضتيه وتوثبه، أو «طيرانه»، عن الإطار. فكأن سوبرمان ليس في اللوحة، أو كأنه لم يُرسَم لها ولم تعد لإيوائه وحضانته، وهو يمر بها في طريقه الى فضاء آخر أو سماء أخرى. وفي الأثناء، لم يمسِ سوبرمان وجوداً أو مَكُوناً في نفسه، سابقاً مشخصه وصورته، ولم يفارق مثاله المتخيل والمرسوم من غير عناية. ولكن بث سواد مطبق في العينين الواسعتين والبارزتين والمستكينتين، وإخراج النظرة من تقابل الرائي و (إطار) اللوحة، ومن دائرة التقابل أو التناظر المشتركة والجامعة، والانحراف بالجسد كله وحركته عن مدار اللوحة المتوقع هذا كله يشكك في استواء اللوحة على الشكل الذي تدعيه وتحاكيه، أي شكل «البوستر».
[تشبيه
وعلى حين يحضر سوبرمان في آلائه السلعية التامة الشعر الأسود الفاحم والمصفف، والقسمات القوية، والجسم المنحوت، واللباس الأزرق اللصيق، و «الجناحان» الحمراوان القانيان ينم الوجه البني النوبي والنحاسي اللون بـ «معنى» غير المعنى الذي بادر إليه الذهن أولاً. ويخرج الوجه الى القسمات، وتستوي القسمات قسمات وجه «إنسي» أو صفحة عبارة إنسية، من طريق الضوء. فالأبيض المشع هو ما يرسم ملامح الوجه الناتئة، واستواء الخدين، واستدارة الوجه، وغضون العنق. وعلى شاكلة سواد العينين، تنم القسمات المضيئة بكمون ممسك وأليم. ويفاقم الكمون، وإمساكه وألمه، ثبات جسم «الرجل». فالإنسان الطائر، أو بساط الريح على صورة امرء، أو جني القمقم والفانوس السحري في خلقة راقص او «جغل» أميركي، يُشبِّه الطيران، في اللوحة، من غير ان يحاكيه أو يقتفي على رسمه وحركته.
وليس ذلك لأن الحركة ساكنة، على قول يشبه قول المتنبي عرضاً، أو لأن اللوحة تقصِّر عن نفخ الحركة وتشبيهها في الجسم. فالسكون يصيب العينين والنظرة وقسمات الوجه قبل ان يحل الجسم، ويتخذه لباساً ويملأه. فهو، أي السكون، حال سوبرمان منذ ان كان، شأن المحرك الأول المعلق في وسط السماء اليونانية، ومدير حركات كواكبها التامة الاستواء. وأزرق اللباس البحري والملكي، وهو لون لباس الجسم اللصيق، ثقيل ثقل المحيطات وقيعانها، وموحش وحشتها. والجناحان الحمراوان أجنحة متهدلة ورخوة. فإذا بأيقونة الطيران الخاطف السينمائية، ومصارع الظلم القاهر، والعاشق الأبولوني، يخسر فضائله الساذجة والباهرة، ويخلعها ويخرج منها الى آلام وصدوع وكسور وأزل لا قرار تقر عليه وتفيء إليه، على شاكلة لوحة وإطار وحيز.
و«يطير» سوبرمان هذا في فضاء أبيض يشبه صباحات أرتور رامبو المشعثة بالأصفر و «وسخه» وعروقه المتناثرة. وهذا ليس فضاء طيران وتحليق. فهو مترب وأغبر. ولا تجلو الملائكة التي تحوط سوبرمان، من غير انعطاف إليه ولا ميل ومن غير دراية أو علم منه، لا تجلو الفضاءَ سماء مضيافة، ولا افقاً عريضاً. وهي ملونة ألواناً تشخيصية، مذهبة وكحلية وبنية وزرقاء لازوردية وزهرية. وبعضها، وعددها خمسة ملائكة «يسحقها» سوبرمان، ويحجبها ويدير لها ظهره من غير ان يستقبل وجهه غيرها. وهي لا تحفه فعلاً، وتحاكي «حركته» محاكاة تقريبية تكاد تكون ساخرة ومهلهلة.
وسوبرمان هذا ليس وحده في «محنته»، أو ما قد يستشعره الرائي محنة مولودة من احتفال طفولي و «شعبي» معاصر. ولا تولد المحنة، إذا جازت العبارة أو الكلمة، من جوار الصورة الدعائية السلعية الحديثة (سوبرمان) والصورة الدينية الآبدة (الملاك)، وحده. فلا ريب في تعمد بعض اللوحات تقريب مثالين خياليين متباعدين، زمناً ودوراً ومصادر، ومتمازجين في الحاضر، وقت المعرض ورسم اللوحات، ويحذوان على رسم مجرد حسي وذهني، مشترك. وعلى هذا، تقرب لوحة «درس الصيد» الشاب المستقيم القامة، والخارج من لوحة إعلان عن ماركة جينز أو تي شرت أو نظارات شمس، من صيد إنس ما قبل التاريخ الأيلَ وحمارَ الوحش والثيران، على نحو ما تُرى هذه على جدران مغارات لاسكو. وكأن الرسم المجرد والمشترك هذا لا يستوفي التقريب «الساخر» والفظ، والمهين (على تردد في اختيار اللفظة هذه)، تفرد اللوحة السدس العالي من مساحتها، على قاع أحمر مخملي ومخطط منقطع من خمسة أسداس «اللوحة» التحتية، الى تمثال صياد مذهب عارٍ وأقرع.
[جناس وطباق وتكذيب
و «تجاور» لوحةُ «المخطوطة»، الثانية عشرة في الترتيب، فرساً رأسها رأس امرأة تسبح في سماء ترصعها 13 نجمة خضراء، في الشطر الأعلى، وخمسة دراجين. ويجتاز هؤلاء (شطر) ثلثي اللوحة السفليين، ويقتسم اثنين منهما داخلُ اللوحة وخارجُها، واثنان كلاهما داخل اللوحة بينما غادرها، أو يغادرها دولاب دراجة خامسة. وتنساب حركة الدراجات والدراجين صوب الوجهة التي تُقبل عليها الفرس المجنحة والمشتبهة الوجه والقسمات. وإلى مثال الطيران المشترك في «سوبرمان»، ومثالِ «معنى» الصيد الجامع، في «درس الصيد»، ووجهة الحركة الواحدة في «المخطوطة» وهذه كلها تجانس مثالات متقاربة وتقرنها الواحد بالآخر، وتطابق زمنين ومخيلتين تعري لوحة «العزيز اندي» الرسام السيريغرافي والبوب الأشهر على قاع سيريغرافي خلفه من 4 صور × 4 صور. فتردد «حداثة» الصورة المكررة والناتئة، والمتصلة اتصال جملة (سيري) واحدة أو متشابهة، «قِدَمَ» صاحبها الآبد، أندي وارهول.
والوجه الأول هذا يقتصر على جناس وطباق بلاغيين وتقنيين، ولا يتعداهما. وهو الوجه المباشر و «الهاجم» على الرائي، على قول الجرجاني صاحب «أسرار البلاغة». وقد يقود هذا الوجه الرائي الى الظن في ريم الجندي، ولوحاتها، توسلاً دعائياً وبوسترياً، واروهلياً، بالشبه الصُوري والشقة الزمنية الى ايحاء ضرب من التأويل الباطني والرمزي، الأورفي أو الغنوصي أو الإمامي أو اليونغي (من كارل يونغ) أو «القومي» الأصولي الفاشي والنازي، لمعاني التخييل وصوره «الكبيرة». ويغفل الظن هذا الرسم والتصوير وعملهما. فلوحات «رجال»، ما مر الكلام عليه وما لم يمر، وعلى شاكلة «سوبرمان»، تعالج القرب والبعد، والجناس والطباق، معالجة تحريف ومراجعة وتركيب وتوليف. فلا تسليم للصور والشارات والعلامات لا بمزاعمها الزمنية، أي المزاعم التي تحملها عليها ثقافتا الأصالة والحداثة، ولا بشبهها الشكلي والصوري، ولا بقوتها التخييلية المفترضة.
وتُعمِل معالجة التحريف والمراجعة والتركيب والتوليف في ما تتناوله فروقاً داخلية تنكر على ما تتناوله هويته، أو استقراره على «نفس» واحدة مجتمعة ومتصلة. فالصياد المنتصب في تي شرت وجينز تترجح زرقته بين الأزرق البحري وبين الأزرق المَلَكي، ويشد وتر القوس والسهم الى الخلف، تكذب النظارتان السوداوان والضريرتان صيده ووتر قوسه وسهمه جميعاً. فهو ملصق على شاكلة مشخص. وتصويره يُحضره «اللوحة»، ويقحمه عليها، أو على وحدتها الإطارية المحض، حضوراً وإقحاماً لا يشك الرائي في افتعالهما، وفي محاكاتهما الفارغة، على قول أندي وارهول في طوية نفسه أو «تجربته الداخلية»، أصولاً أولى لا تقل فراغاً وهندسية عن صورها وأصدائها المولودة منها افتراضاً. ويتوسط مشخص الصياد الفائت، وفوته قياساً على قوسه وسهمه، والمعاصر، قيافة ولباساً وتركاً للعبارة، قاعاً خلفياً ليس بينه وبين مجسم الصياد رابط محسوس يصل وضع الصياد وألوانه بـ «إطار» يحفه ويحوطه. والرابط المعنوي، الصيد أو القتل، لا يخفى من غير شك. ولكن اللوحة تمعن فيه تقطيعاً وفكاً وازدراء فلا يبقى رمق فيه. ومن يوجب هذا الرابط، شأني أو غيري، إنما يوجبه نزولاً على «ثقافة» مدرسية أو تلفزيونية خاوية.
وعلى مثال صورة الصياد البوسترية والدرامية معاً، وهي يكذب بعضها بعضاً وينكر بعضها بعضاً، لا تذكِّر الطرائد الدامية والنازفة بالصيد القديم على جدران المغاور إلى على وجه بوستري كذلك. ويقتصر التوارد والتناظر على الفكرة المتداعية على نفسها. فهي، على خلاف مثالاتها الأصلية، تخففت من نواة الأصل الثقافي، أي من الحركة المتوثبة. وهي تحوط الصياد، المنصرف عنها وعنا وعن «اللوحة» ليس الى شأن يخصه، على نحو ما تحوط زينة مرتجلة «موضوعاً» مقحماً عليها، فترد الزينة الجوابَ بمحاكاة رديئة تشبه إقحام الموضوع، وانتصابه لمحل لا يدعيه. وتتبدد الزينة في جلوس من غير عرس، وفي تيه صحراوي من غير واحة ولا سراب. ويقوي الشطر الثالث من «اللوحة»، وهو الشطر «الأول» ابتداء من فوق ونزولاً الى تحت، النازع الى التناظر والتوارد الموضوعيين، وإلى الإيهام بوحدة الموضوع (الصيد)، فيما هو يزيد «اللوحة» انقساماً، ويفاقم بعثرتها المادية الحسية، اللونية والمكانية والزمنية الثقافية.
[أول من غير مرتبة
والقول أو الزعم ان ثمة شطراً ثالثاً في اللوحة، على ما تقدم للتو، ثم الاضطرار الى التنبيه الى معيار الترتيب (من فوق الى تحت)، ينبهان القائل الى ان «اللوحة» لا تنفك تشكك في تماسكها ووحدتها واتصالها بينما هي تقوم على افتراض التماسك والوحدة والاتصال فرضاً مادياً، قماشياً إذا جاز القول، لا فكاك منه. وينقض الترتيب المعنوي والصُوري الشكلي، ومعياره بناء المرئي على تقدم صورة بارزة «هاجمة» على النظر وتخلف قاع خلفي متوارٍ ومنكفئ، ينقض
(التتمة ص)

 

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال

 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005