|
على هدي الأقلية التي يكرهها الأكثريون المستقبل - الاحد 14 شباط 2010 - العدد 3567 - نوافذ - صفحة 16
يوسف بزي منذ شهر تقريباً، كان السؤال الذي يتداوله اللبنانيون: هل ستتم الدعوة للنزول والإحتشاد في ساحة الشهداء بوسط بيروت، بمناسبة الذكرى الخامسة لإغتيال الرئيس رفيق الحريري في يوم 14 شباط 2005؟ وبصيغة أخرى، كان السؤال هو: هل سيتجرّأ من بقي في تحالف قوى 14 آذار على إعلان هكذا دعوة، بعد كل ما حدث منذ الإنتخابات النيابية الأخيرة في 7 حزيران 2009؟ بل وما حدث قبلها منذ صدمة 7 أيار المسلحة عام 2008 والمتوّجة باتفاق الدوحة التسووي؟ وهل هم مضطرّون لهكذا «إمتحان» حيث لا بد وأن تتم مقارنة صورة الحشد الذي سيجتمع (اليوم) بصورة الحشد نفسه، في المكان ذاته، كما اجتمع وتلاقى في السنوات السابقة؟ وضمناً، كان السؤال الأكثر تداولاً هو هل سيلبي المواطنون المؤيدون لحركة 14 آذار هكذا دعوة؟ خصوصاً وأن الشك في ذلك له أسبابه الوجيهة، مع انسحاب الحزب التقدمي الإشتراكي ورئيسه وليد جنبلاط من تحالف 14 آذار، مع ما يعني ذلك من إنكفاء ملحوظ للطائفة الدرزية عن جمهور «الحركة الإستقلالية» ثم إنسحاب «حركة التجدد الديموقراطي» و«الكتلة الوطنية»، إضافة إلى إنكفاء الكثير من الشخصيات المؤثرة والمستقلة، وما رافق التطورات السياسية من إحباط عام، إثر الإنتصار في الإنتخابات البرلمانية مباشرة، إذ عجزت «14 آذار» عن ترجمة تفوقها الإنتخابي في تكوين السلطة التنفيذية والحكم. وما زاد في مشروعية السؤال أن ثمة انطباعاً عاماً مفاده أن تحالف 14 آذار لم يعد في وارد الصدام السياسي مع سوريا منذ زيارة الرئيس سعد الحريري إلى دمشق، وأنه بالأحرى لم يعد في وارد الصدام السياسي أيضاً مع حزب الله منذ إتفاق الدوحة، ثم منذ تشكيل «حكومة الوحدة الوطنية». ولذلك كان الإنطباع أن 14 آذار فقدت عصبها وقدرتها على التعبئة واستنفار رأي عام يناصرها. وفاقم هذا الإنطباع أن قوى 14 آذار إجتمعت في البريستول وقررت الدعوة، لكن بيان الدعوة كان خالياً من اللغة المعتادة عند هذا التجمع. فمن المعروف أن «إنتفاضة الإستقلال» المنطلقة مساء 14 شباط 2005 إنما ارتكزت سياسياً على شراكة مع المجتمع الدولي وقراراته واستدعاء مساعدته، وعلى رفض الوصاية السورية، وعلى تضامن مسيحي إسلامي يرفض بقاء السلاح خارج الشرعية الرسمية عبوراً نحو سيادة الدولة المستقلة. أما بيان البريستول المذكور فقد خلا تقريباً من كل هذا، وتواضع إلى حد استعارة لغة «التمسك بالعروبة». وكذلك شعر جمهور 14 آذار بالبلبلة الإضافية مع إشاعة أجواء تحويل ذكرى 14 شباط إلى «مناسبة وطنية». وهذه الأخيرة في رطانة السياسة اللبنانية تعني إفراغ المناسبة من أي معنى سياسي، وتحويلها إلى لحظة فلكلورية تسمى «وفاقية». كل هذا جعل المؤيدين والمعارضين والحياديين يهجسون بسؤال «هل ستتم تلبية الدعوة؟». على الأرجح، فإن قوى 14 آذار تشهد لأول مرة منذ العام 2005 ظاهرة تتمثل بأن جمهورها متردد في تلبية الدعوة، أو أنه يسأل «...ولماذا سننزل؟» وهذا تماماً ما تنبّهت إليه «إدارة» المناسبة وجعلت حملتها الإعلانية بمثابة أجوبة متنوعة ومتشابهة على سؤال المترددين، فقالت «كرمال يضلّو البلد ماشي» أو بصيغة المخاطب للرئيس الشهيد رفيق الحريري «كرمالك نازلين» أو «كرمال اللي حققناه»...إلخ. وهذه الأجوبة تدل بوضوح أن تحالف 14 آذار يدرك نقمة جمهوره من جهة وتردده أخرى، ويدرك أيضاً إرتباكه السياسي أمام رأي عام هو الذي صنع أصلاً 14 آذار المشهد والسياسة في آن معاً. لذلك فهذه اليافطات الإعلانية ومعها التصريحات اليومية للسياسيين تقول بما معناه «...إذا أنتم لا تريدون النزول تأييداً لنا فانزلوا من أجل صاحب الذكرى ومن أجل معاني هذه الذكرى». إذاً، للتردد مسوغاته التي تقرّها ضمناً قوى 14 آذار، وهي التي إعترفت بضعف تواصلها وقلّة صراحتها مع جمهورها في الآونة الأخيرة. لكن حسم التردد لصالح تلبية الدعوة له مبرراته الكثيرة، أولها أن هذه المناسبة تختلف عن مثيلتها في آذار بوصفها لحظة وجدانية ولحظة تقدير للشهداء والتضحيات، لحظة توقير للضحايا أكثر مما هي لحظة سياسية. وثانيها أن الجمهور يميل إلى «التعاطف» مع قيادته السياسية في لحظة ضعفها، أكثر من ميله إلى «محاسبتها»، ناهيك عن الخوف من إنكسارها، خصوصاً وأن الضعف الذي يلحظه حسب وعي الجمهور لا يجوز أن يتحول مكسباً سياسياً لدى الخصوم. المهم من هذا كله، ليس في حجم تلبية الدعوة، أو من سيحضر ومن سيغيب، ولا في إثبات قوة تحالف 14 آذار أو ضعفه. فذاك كله له ظروفه ومبرراته في الزمان والمكان، وله حقائق التغير والتبدّل، وله حوافزه وشروطه إجتماعاً وسياسة. لكن ما هو شديد الأهمية هو ما حدث طوال الأسابيع الماضية من إنتباه إلى سؤال «هل مواطنو 14 آذار مترددون أم معتكفون أم يائسون أم مصممون على النزول؟ ما هو مزاجهم؟ ما هو المؤثر في قرارهم وبما يتأثرون؟ ما الذي تبدل في قناعاتهم وما الذي ثبت؟». بمعنى آخر، مرة جديدة تظهر «ميزة» 14 آذار بوصفها أولاً حركة رأي عام، وحركة مواطنين لهم إرادتهم الحرة، وحركة أفراد يقيمون ولاءهم السياسي وفق «قناعات عقلانية ونقدية». فربما لا نشهد ما يماثل ذلك في محيطنا، فنرى قيادة سياسية «تخاف» من جمهورها ومحازبيها، وتخاف أن يبتعد عنها الرأي العام ويحاسبها، بل لا نشهد حقاً «رأياً عاماً». وهذا كان من صنيع جمهور 14 آذار. بالتأكيد، ليس ناس 14 آذار هم كلهم «أفراد» و«مواطنون مستقلون» و«رأي عام»، بل هم تجاورات لجماعات وطوائف وعصبيات أهلية ومحازبين تقليديين، لكن الإنجاز هو في صنع هذا التجاور والمجاهرة به وعدم تمويهه، وفي نواة هذا التجمع «أقلية» الأفراد والمواطنين. لكن بفضل تلك الأقلية تمت صياغة ذاك «التجاور» ولغته وصورته. وتلك الأقلية هي التي تتردد وهي التي تستجيب وهي التي تسبب القلق وهي التي يتبدل مزاجها أو تصاب بالحيرة، وهي تعريفاً «ميزة» 14 آذار. إذ أن «جماهير» الممانعة و«جماهير» 8 آذار و«جماهير» البعث و«جماهير» القائد الملهم ... لا يصيبها تردد ولا يقربها الضعف ولا تتنوع أهواؤها ولا تنقص ولا تحتار، فهي كتلة مرصوصة كجسم واحد ورجل واحد في نسخ لا نهائية وفي لون واحد لا يحول. تلك «النعمة» لا تنالها 14 آذار. وهذا جزاء من ينحاز لمسالك الديموقراطية المضطربة والهشة دوماً.
|