01-08-2010

08-08-2010

15-08-2010

22-08-2010

29-08-2010

05-09-2010

05-09-2010م

هذه العضلات هل هي لأبطالها الرياضيين أم لبلدانهم؟


عما كان صرحاً من خيال


هذه العضلات هل هي لأبطالها الرياضيين أم لبلدانهم؟

المستقبل - الاحد 28 شباط 2010 - العدد 3580 - نوافذ - صفحة 9

فانكوفر ـ فادي طفيلي

لم يسبق لألعاب أولمبيّة، شتويّة كانت أم صيفيّة، أن جاءت بلا سياسة. الألعاب الصيفيّة المشهودة في برلين عام 1936، زمن ألمانيا النازية، تبقى على الدوام أمثولة تاريخيّة للفرصة التي يأتي بها الأولمبياد بالنسبة للدّول المُنظّمة ولشعاراتها السياسيّة. عضلات الرياضيين في ميادين الألعاب ومسارحها، سرعان ما تغدو عضلات أُمم وقوميّات وأنظمة وإيديولوجيّات.
الأمر الأخير تفاوت بين دولة وأخرى وبين نظام سياسي وآخر على مدى الحقب الزمنيّة. وهو تبدّل في مظاهره كثيراً بعد تجارب السنوات. حصر تمثيل ألمانيا رياضيّاً بالعرق الآري مثلاً، والذي فرضه هتلر عام 1936، بات دعابة مريرة سوداء. حتّى أن الأمر ذاك، الذي استنتجه هتلر من نظريّة التفوّق العرقي، مُني هناك في برلين عام 1936، وأمام عينيّ الفوهرر الآريّتين، بانتكاسة عميقة، إذ اضطر الديكتاتور إلى مشاهدة العدّاء الأميركي الأسود جيسي أورين متوّجاً بالذهب على منصّة الشرف.
لكنّ التفاوت في «عيارات» السياسة والقوميّة الكامنة في الألعاب، لا يَكبح أبداً الميول القوميّة لعضلات الرياضيّين. كأنّ في هذه الأخيرة على الدوام سرٌّ معقود في آخره بأحلام الأمّة ورؤى أمجادها. والسرّ ذاك يَزيد في انعقاده كلّما كبرت العضلات وتضخّمت، فيُستذكر حينذاك مثل شعبي يربط بين تضخّم العضلات وتضاؤل شيء آخر.
هكذا تُربط الألعاب الأولمبيّة والجهود التنظيميّة للدول التي تستضيفها، كما جهود الرياضيين أفراداً وفرقاً، بأمور محجوبة، افتراضيّة، وبعيدة المنال، يصعب أحياناً التحكّم بها. خيبات الأمل في هذه الحالة تغدو متربّصة خلف منصّات التتويج ومظاهر الاحتفال، ويَدخلُ تبدّي خيبات الأمل المذكورة هنا وهناك في تنافس مع توزيع الميداليات.
إنّه الأسبوع الثاني للألعاب الأولمبيّة الشتويّة الواحدة والعشرين التي تستضيفها مدينة فانكوفر الكنديّة حتى آخر شباط. منذ أن انطلقت تلك الألعاب في 12 شباط المنصرم، ثمّة ما يشبه الإحراج الوطني السائد جرّاء الأداء المناخي الذي تقدّمه مدينة الساحل الغربي الكندي ومنتجعها الجبلي ويستلر، حيث منصّات التزلّج والمسابقات الجليديّة.
الثلج ضئيل هناك في فانكوفر وفي منتجعاتها الجبليّة هذا العام. فوق ذلك، يأتي المطر غير المرغوب في هكذا مناسبات، ليزيد من تخريب منحدرات التزلّج وتلاله، فيَصِل الأمر بلجان التنظيم الأولمبيّة، في مرّات عديدة، إلى التفكير بوجوب نقل مواقع بعض المسابقات إلى منحدرات أعلى.
أزمة المناخ تلك، الأزمة العالميّة التي باتت تطرح نفسها أكثر فأكثر في كلّ مكان مع مرور الأعوام، غدت في أيّام قليلة تلت افتتاح أولمبياد فانكوفر قضيّة كنديّة وطنيّة ترتبط بصورة الأمّة وبمدى قدرتها على النجاح وابتكار الحلول.
على أنّ الطقس هذا لم يكن مصدر الكدر الوحيد الطارئ، المخيّم فوق الألعاب. لو أنّ الأمر كذلك لكان مسألة سهلة تكتنفها إيجابيات كثيرة. فالدفء النسبي غير المستحب للألعاب وميادينها (تراوح درجات الحرارة بين 4 درجات مئويّة تحت الصفر و15 فوق الصفر!) لهُوَ حالة مثاليّة بالنسبة للسهر والاحتفال في شوارع فانكوفر، الضاجّة منذ الثاني عشر من شباط بعشرات آلاف الزوّار.
إلى الطقس وثلجه القليل، على غير عادته، جاء الموت وضرب ضربته في اليوم الأوّل للألعاب وبعيد احتفاليّة الافتتاح. إذ هناك، في منحدرات ويستلر، انحرف الرياضي الجيورجي الشاب نودار كوماريتاشفيلي (21 عاماً) عن مسار التزحلق الجليدي المنحدر، الذي يجعل سرعة المتزحلقين عليه تبلغ نحو 140 كلم في الساعة، واصطدم بحافة المسار وبعمود معدني مثبّت فيه، ليقضي على الفور.
مقتل رياضيّ في ميدان رياضته يأتي مضاعف المأساويّة. فكيف إن حصل ذلك أمام عدسات التصوير على مرأى العالم، وبحضور المشاعر القوميّة الجيّاشة المُحتَفلة! الأمر في الحال اتخذ أبعاده القوميّة الكبرى، ليغدو جسد الرياضي القتيل أمّةً بذاتها، ويغدو حادث مقتله بريد رسائل ممهوراً بأختام الدول. في هذا المنطق الأخير، وفي خضمّ السعي لتسجيل النقاط في تباري الأمم، يكتب الصحافي مارتن صاموئيل في الـ «دايلي مايل» البريطانيّة، مُعلّقاً على حادثة مقتل كوماريتاشفيلي، فيقول: «ينبغي على الكنديين الآن أن يكتبوا على النعش الذي سيرسلونه إلى جورجيا «صُنع في كندا». ويزيد، «كما عليهم أن يمهروا ذلك بورقة شجرة القيقب (شعار كندا)».
ما تفترضه الألعاب الأولمبيّة من صورة أمميّة للمكان الذي تُعقد فيه، تدخل البلد المضيف، بمدينته المُختارة، في سباق محموم بين وقائعه وبين الصورة المثاليّة الذي يودّ رسمها وإظهارها.
لطالما اتّهمت المدن التي تستضيف الألعاب، في هذا الإطار، بمحاولات «تعقيم» سريعة وموضعيّة ومؤقّتة تُجريها على نواح ٍ منها لا تريد إظهارها على الملأ كجزء من صورتها الأولمبيّة.
الأمر الأخير طُرح بقوّة في أولمبياد بكين قبل عامين، حيث دفع الآلاف من سكّان أحياء كثيرة في حاضرة الصين الكبرى ثمن إقامة القرية الأولمبيّة وصروحها على حساب بيئتهم الاجتماعيّة والطبيعيّة. وكان أمر»التعقيم الموضعي» هذا قد ظهر قبل ذلك بفظاظته العرقيّة في برلين الثلاثينات، حين قامت السلطات النازيّة بانتزاع مؤقّت للافتات التي كانت تُفصح عن «عدم الرغبة في رؤية اليهود» من مواقع سياحيّة رئيسة في برلين، ثمّ أعادتها بعد انتهاء الألعاب. كما كانت وزارة الداخليّة النازيّة قد أمرت قيادة َ شرطتها في توقيف جميع الغجر في العاصمة الألمانيّة واحتجازهم بمعسكرات اعتقال خاصّة، وأعلنت الوزارة المذكورة عدم تطبيق قوانين تجريم المثليين على الأجانب القادمين لحضور الألعاب في برلين.
إلى عمليات التعقيم هذه وتنويعاتها التاريخيّة، فقد اتهمت مدن عديدة أيضاً بالمبالغة التي لا أفق لها خلال مسيرة الإعداد لإقامة الألعاب الأولمبيّة. بدت تلك المدن وكأنّها آثرت صورة «المجد القومي» المتجلّي في عضلات الهياكل الرياضيّة العملاقة وفي عضلات الرياضيين، على الحقائق الراهنة والمتوقّعة. مدينة أثينا اليونانيّة شكّلت نموذجاً في هذا السياق، إذ سرعان ما اكتشفت العاصمة اليونانيّة بعد انقضاء الألعاب الأولمبيّة فيها عام 2004، «لا وظيفيّة» صروحها الكبيرة التي أعدّتها للأولمبياد. تلك الصروح التي أنشئت للاستخدام طوال ستّة عشر يوماً، هي أيّام الأولمبياد المجيدة، غدت عبئاً ومصدر عجز وديون لم تُحلّ أزماتها حتّى الآن.
اليوم يأتي دور فانكوفر في الملحمة الأولمبيّة المدينيّة. في المسرح الكندي كانت مونتريال في عام 1976، وكالغاري في عام 1988، قد سبقتاها في استضافة الأولمبياد. لكن الحال في فانكوفر مختلف هذا العام، إذ فازت كندا بالعديد من الميداليات الذهبيّة متجاوزة عقدة حرمانها من الذهب على أرضها مرّتين، فارتفعت نسب احتفالها وتطوّرت.
وفانكوفر تُعدّ واحة مدينيّة غنّاء في أقصى غرب مقاطعة بريتيش كولومبيا الكنديّة. بحث أخير أجرته «ذا إكونومست أنتيليجنس يونت» (رويترز 12 شباط 2010) اختارها لتكون المدينة الأولى في العالم، للسنة الثانية على التوالي، بمظاهر «الاستقرار والرعاية الصحيّة والبيئة والثقافة والتعليم والبنى التحتيّة».
مدينة الساحل الغربي الكندي الأبرز، ومُضيفة الألعاب الأولمبيّة الشتويّة الواحدة والعشرين اليوم، هي في قلب امتحان عالميّ يستدرج الكثير من المشاعر الوطنيّة الكنديّة، المتحفّظة في العادة. إنّه امتحان عالمي يستدرج أيضاً أسئلة كثيرة مستوحاة من «جنون المدن» (والدول) في سباقها بين صورها المثاليّة المنشودة وبين وقائعها الراهنة في مساراتها الواضحة.
في الامتحان المذكور فأن تُهم «التعقيم الموضعي» و«خطط التنظيف المؤقّت» و«المبالغات غير المحسوبة»، التي وُجّهت لسلطات بكين بعد جرف أحياء تاريخيّة كاملة في سبيل التخلّص من بؤر البؤس قبيل أولمبياد 2008، عادت كي تجد لها مكاناً اليوم في فانكوفر من دون أيّة أعمال جرف أو إزالة.
قيام سلطات «المدينة الأولى في العالم»، المدينة المتربّعة في ذروة العالم الديمقراطي، بإقامة مركزاً «لتقديم المعلومات الصحيحة» للصحافيين، في حيّ «ذا إيست سايد» الشهير شرق المدينة، يُعدّ من قبل كثيرين، هنا في بلد ديمقراطي مثل كندا، موازياً لتجريف حيّ كامل في بكين.
إنّه بحسبهم نشاط «بروباغاندا» يُمارسُ «جرفاً معنوياً»، أو عمليّة «طمس معلوماتي» لحيّ حافل بالتشرّد وترويج المخدّرات والدعارة وبعض جرائم القتل، لا يبعد أكثر من خمس دقائق عن القرية الأولمبيّة.
لكن في الجانب الآخر من الرؤية تجاه مسألة حيّ «ذا إيست سايد» شرق وسط فانكوفر، ثمّة من يرى الأمرَ نقيضاً للطمس. إذ مجرّد اتخاذ قرار إنشاء القرية الأولمبيّة على تماس الحيّ المذكور، بدا بمثابة اعتراف من القيّمين المدنيين أنّ الحيّ الذائع الصيت هذا، في «حياته السفليّة» المتفلّتة، هو بمثابة فضاء ثقافي حقيقي للمدينة. فضاء شائك، لكنّه فضاء حياة حقيقيّة بمظاهر تتجلّى في كلّ مدينة، وربّما تعدُّ عوَامل مناقضة للرتابة والضجر. مركز «المعلومات الصحيحة» هذا، هو في النهاية وجهة نظر، يقول المدافعون عنه. فمن يريد معلومات أخرى، غير «المعلومات الصحيحة» التي يقدّمها المركز، ما عليه سوى أن يخطو قليلاً عبر شارع قريب من قرية الأولمبياد، ويدخل الحيّ بنفسه.

 

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال

 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005