|
تلك الحرب المشتعلة من هنا الباردة من هناك المستقبل - الاحد 7 آذار 2010 - العدد 3587 - نوافذ - صفحة 15
حسن داوود إلى ما بعد الإنتهاء من قراءة الرواية يظلّ الرسم الذي على غلافها محيّرا: رجل يحمل حقيبة سفر صغيرة تلائم كثيري السفر، ويوحي إيلاء ظهره لمشاهدي صورته أنّه عائد من سفر أو مقبل عليه. وفيما نحن نقرأ الرواية الجارية وقائعها في خلال القرن العاشر ومطلع القرن الحادي عشر الهجريين، نروح نظنّ أنّ الصفحات الأخيرة لا بدّ واصلة بنا إلى زمننا الراهن، خصوصا وأنّها تحمل عنوانا يدّل على ذلك: «اليهودي الحالي». وإذ نبلغ الختام، ونحن ما نزال في القرن الحادي عشر، نروح نؤوّل الحداثة المحيّرة التي تمثّلها صورة الغلاف قائلين إنّ الروائيّ أراد أن يستدرجنا بما نعرفه عن الكتّاب وسواهم من إعطائنا بضاعة هي غير التي وُعدنا بها. أو نقول، في تأويل آخر، إنّه رغب في أن يقول إنّ معضلة الزمن ذاك متواصلة إلى زماننا هذا. ففي تلك الفترة من القرن السابع عشر ميلادي ومطلع القرن الذي يليه، حيث الأجواء العاصفة بين أتباع الديانتين الإسلاميّة واليهوديّة في اليمن، تقع الفتاة المسلمة فاطمة في غرام سالم، الشاب اليهودي. كانت البيئة التي نشآ فيها معا بيئة متوتّرة بسبب اختلاطها، حيث كان ضيق هؤلاء من أولئك ظاهرا في مشادات كلاميّة بين رجلين في السوق، مثلا، اعتادا أن يذمّ أحدهما دين الآخر من دون أن يكون لذلك سبب. لكن، بالمقابل، كان هناك مكان لنوع من المودّة الحذرة بين هؤلاء وأولئك، هي من قبيل ما نعرفه من معايشة الأديان لبعضها البعض، في كلّ الأزمنة. تلك المودّة ينبغي لها أن تظلّ على حذرها الذي يتيح الإستعداد الفوريّ للمواجهة والقتال كلّما حصل ما يذكّر المتوادّين بما يبعدهم بعضهم عن بعض، وأيضا كما عند حصول ما قد يقرّب بينهم ناقضا إتّفاق الإنعزال الذي جعلوه عرفا يحرصون على التقيّد به. فهناك، في زمن اليَمَن السابق ذاك، كان على المختلفين أن لا يغفلوا أبدا عن أعراف التعايش البالغة الحساسية ما داموا مقيمين معا، مؤجّلين ما أمكنهم ساعة الإصطدام المقبلة حتما. فاطمة المسلمة وسالم اليهودي يوصلهما غرامهما إلى ذلك التماس الخطر. لم يكن سعيهما إلى الزواج اندفاعا من رغبة مراهقة وجاهلة، إذ كان كلّ منهما مقبلا على معرفة دين الآخر معرفته بدينه. كانت فاطمة هي التي بدأت بتعليم سالم الكتابة بلغتها، كما بتعليم نفسها الكتابة بلغته. ثم جعلا بعد ذلك يتبادلان الكتب حتى بلغ كلّ منهما ما يقدر به على محاججة الفقهاء من الدارسين. وإذ كان ينبغي على سالم أن يشهر إسلامه كي يتمكّن من الزواج بفاطمة، لم يكن ليؤخرّه عن ذلك علم بالدين الذي سيحلّ فيه ضيفا مقيما. كان يحاجج فقهاء المسلمين بما يعرفونه ولا يعرفونه، لكن ذلك لم يحل بينه وبين أن يبقى متّهما بدينه الأوّل، ذاك الذي ظلّ وفيّا له على أيّ حال. وشأن من يرتكبان مجازفة مثل هذه، كان على الزوجين أن ينتقلا للإقامة في مكان يكونان فيه مجهولين. كان قد سبقهما إلى صنعاء أقارب لهما، أو لأحدهما، لكن الإستعانة بهؤلاء لتسهيل العيش تعثرت بالوضع «غير الطبيعي» لذلك الإقتران فبدت مودّة القربى حذرة هذه المرّة أيضا. وإذ ينجب الزوجان طفلهما تدخل رواية علي المقري في تتالي أحداثها التراجيديّة التي أذكتها، أو سبّبتها، الحرب المحتومة التي كان لا بدّ من اندلاعها. كان اليهود قد وُعدوا من أحد عرّافيهم بأن منقذهم آتٍ عن قريب وأن البلاد التي يقيمون فيها مضطهَدين مهانين ستعود إليهم وتصير بلادهم. في المقابل كانت ملاحقة المسلمين لهم قد بدأت بفرض الإتاوات والضرائب والتقتيل من ثمّ، لتنتهي بأن ينال منهم المتوكّل جميعا وينفيهم إلى ما تبديه الرواية منطقة معزولة في آخر اليمن. أما تراجيديا بطلي الرواية فتبدأ بموت فاطمة وانفصال سالم عن إبنه، ليلتقي الإبن والأب بعد عشرين سنة من افتراقهما، وليحملا معا ذلك التشوّش الذي يجعلهما مسلمين وغير مسلمَيْن، يهوديّيْن وغير يهوديّين. وحين، في انتقالاتهما المتكرّرة، يحلّان في مكان، يجدان أنّهما واقعان في خيانة مكان آخر، كأن يعمل سالم مدوّنا لأخبار إبن المتوكّل ويوميّات حربه، وذلك بعد قرّبه المتوكّل منه وأقامه في مجلسه، فيما هو يدوّن في أثناء ذلك الظلم الذي يلحق باليهود، أعداء صاحبه وضحاياه. وقد أصاب فاطمة ما أصاب زوجها وأصاب إبنه على رغم انقضاء تلك السنوات الكثيرة على موتها. فهي تنقل من مثواها بجانب المقبرة الإسلاميّة لكونها تزوّجت من يهودي ثمّ تعاد تنقل مرّة ثانية إلى مكان ثالث. في كلّ مرّة وجد «من يدلّهم إليها» حيث لا ينبغي « أن يوجد مكان لهذه الكافرة، إلا مع اليهود في مقبرتهم»، أو مع أهلها المسلمين، كما يقول اليهود، الذين يرفضونها بدورهم. وهذا ما حصل لسالم أيضا بعد موته ومحاولة إبنه تدبّر دفنه. كان هذا الأخير يسعى «سرّا ليقبره إلى جوار فاطمة، لكنّ أحدهم إكتشف ذلك وقبض عليه». وإذ نُقل إلى مقبرة المسلمين « لم يمكث في قبره سوى ليلة واحدة». أما الإبن و«قبل أن يمضي في صمت لا نهاية له، كان قد قال، وهو يحرّك يديه في الهواء: هنا..هناك..هنا.. لا أدري (..) ماذا؟ ماذا؟ كيف؟ تُطحن عظامهما وتذرّ في الريح..هكذا في الريح بلا قبر.. ولا وطن..في الريح؟» أما الإبن (سعيد) فيبدأ سيرة ستستمرّ لنحو قرنين من بعده. أحد أبنائه يروي قائلا: « أخبرونا أنّ أبانا سعيد ذهب وبيده صرّة نحو الشرق. آخرون قالوا نحو الغرب. البعض ظنّ أنّه اتّجه شمالا ، فيما أكّد غيرهم أنّه مضى نحو الجنوب...». في التعريف بالرواية نقرأ على غلافها الخلفيّ أنّ كاتبها يخلط فيها التاريخي بالمتخيّل، هكذا بما يضع قارئه عند الحدّ الذي يجتمع فيه الحقيقيّ بغير الحقيقي، كما عند حدّ آخر يتعلّق باختيار الكاتب لزمن روايته وموضوعها ذاته. وهذان، بدورهما، أمران محيّران ما دام أنّ حال العداوة بين المسلمين واليهود تطوّرت إلى حدّ أنّ ما تتناوله الرواية من سوء تفاهم فادح لم يعد من حاجة إلى تصحيحه وإيضاحه. لقد تغيّر الزمن الذي كان من الممكن فيه أن يخاطب ذلك الأسف أحدا من الناس. ذلك القرب المستعاد في الرواية بات «غير ذي موضوع»، على ما يقول القانونيّون في مطالعاتهم، لأنّ مسافة المئتي سنة الفاصلة بين وقائع الرواية وتاريخ صدورها غيّرا في اللغة وفي ما يمكن له أن تصفه. ثمّ أن أحدا، في خلال السنوات المئتين، لم يسائل ذلك التاريخ أو يعتذر عن أخطائه. وهذا ما يجعل الروائيّ علي المقري بادئا بداية متأخّرة، اللهمّ إلا إذا كان حالما بأن تذكيره بما يذكّر به يمكنه أن يبدأ شيئا. أو ربّما أراد أن يذهب إلى ذلك التاريخ الذي جعله قِدَمُه باردا ليقول لنا أشياء عن الحاضر الذي يكرّر الماضي، وإن على جبهات كثيرة هذه المرّة. لكن، في أيّ حال، يظلّ ذهاب روائيّنا إلى موضوعه ذاك باعثا على الحيرة والدهشة.
[ كتاب «اليهودي الحالي» لعلي المقري صدر عن دار الساقي، 2009.
|