السبت 11 أيلول 2010

ص19

رؤية جدلية للعولمة


المعارضة الألمانية للحرب في أفغانستان


تعويضات مقابل تفويضات


للتمسك بالفرصة السانحة


لا لخفض التوقعات مع بدء المحادثات



رؤية جدلية للعولمة

المستقبل - الاربعاء 10 آذار 2010 - العدد 3590 - رأي و فكر - صفحة 19


عبد الاله بلقزيز

ليس من وجه تناقض بين وصف العولمة بأنها أعلى مراحل الامبريالية وانها الاسم الحركي للامركة، ووصفها بأنها دينامية موضوعية مستقلة عن ارادة التحكم وأن النتائج الناجنة عنها تنعكس مكاسب وخسارات على المركز والأطراف معاً. هذا شأن الظواهر التاريخية الكبرى كافة: تبدأ مقترفة بقوة ما (طبقة اجتماعية، أمة، دولة..) فيوحي اقترانها ذاك بأنها مملوكة لتلك القوة ثم سرعان ما يتبدى انها محكومة بقوانين خارج ارادة القوة تلك الى الحد الذي يقع فيه التناقض بينهما احياناً فلا يرى العقل المبسط في ذلك سوى انقلاب السحر على الساحر، وما هو الا منطق الجدليات الحاكمة للظواهر الانسانية في التاريخ يفرض انفصال الظاهرة عمن يحسب او يظن انها القوة التي تصنعها أو تديرها.
ويقضي ذلك المنطق، في جملة ما يقضي به، بتوليد الظاهرة لنقائضها وتطورهما معاً (الظاهرة ونقيضها) في سياق من الاشتباك التفاعلي يعاد فيه تشكيلهما باستمرار.
الأمثلة على ذلك عديدة في التاريخ. الرأسمالية مثلاً ونحن نتحدث عن حفيدتها العولمة من تلك الظواهر الكبرى التي انتظمها القانون ذاته. بدت، حين صعودها الكبير في القرن الثامن عشر، وكأنها ظاهرة برجوازية صرف، أي كما لو انها نظام اقتصادي اجتماعي انشأته طبقة وتديره طبقة وتتحكم به طبقة ولا ينتج عنه الا ما يوافق مصالح تلك الطبقة (= البرجوازية). وبصرف النظر وان كان لا يمكن ان يصرف عن ان اقامة الاقتران الماهوي بين الرأسمالية والبرجوازية ليس امراً دقيقاً لأنه لا يلحظ حقيقة ان الرأسمالية حصيلة علاقة بين قوتين: الرأسمال والعمل وان مكتسباتها بالتالي لا تقبل النسبة الى البرجوازية حصراً وانما الى الطبقة العاملة ايضاً (بمعزل عن علاقة السيطرة.. وهي مسألة اخرى)، فان الرأسمالية لم تصب نتائجها في مصلحة نهوض القوة الاجتماعية التي اقترنت بها نشأة وتكويناً (البرجوازية)، وانما صبت النتائج عينها في مصلحة الطبقة الاجتماعية النقيض (= الطبقة العاملة): اكان ذلك من حيث اطلقت دينامية تكوينها كطبقة اجتماعية جديدة، او من حيث وفرت لها اسباب نهوض اجتماعي اعتراضي في وجه جشع الرأسمال (= الحركات النقابية) دفاعاً عن العمل وحقوق قوة العمل المعرضة للاستغلال والاستحواذ على فا ئض القيمة كما سماه ماركس، او من حيث كونها قادت الى تبلور فكرة نقيض للرأسمالية هي الفكرة الاشتراكية.
حيث خطت الرأسمالية خطوتها النوعية نحوالانتقال الى الامبريالية اي نحو الانتقال من الرأسمالية الصناعية رأسمالية المنافسة الحرة الى الرأسمالية الاحتكارية، كانت ايضاَ تولد نقائضها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
لم يكن النظام "الاشتراكي" الذي قام في روسيا القيصرية وامتد في الاربعينات الى شرق اوروبا والصين الا واحداً من تلك النقائض التي ولدها ذلك المنعطف الاميريالي للنظام الرأسمالي فتحولت فجأة الى مصدر خطير يهدد بقاءه. وكانت حركات التحرر الوطني في المستعمرات واشباه المستعمرات والبلدان حديثة الاستقلال في عالم الجنوب ثاني اهم تلك النقائض التي انتجتها الانعطافة الاميريالية للرأسمالية؛ وهي زادت خطراً على الرأسمالية اكثر حين اكتسب مشروعها السياسي مضموناً اشتراكياً بين سنوات الاربعينيات والسبعينيات فحصل التمفصل في برنامجها بين الوطني والاجتماعي ببعديه التحرريين على نحو ما حصل في فيتنام ولاووس وكمبوديا وكوريا الشمالية. بل على نحو ما حصل في عهد الاستقلال الوطني في مصر عبد الناصر وهند نهرو واندونيسيا سوكارنو ابتداء ثم في سورية وعراق البعث وشيلي سلفادور الييندي ونيكاراغوا الجبهة الساندينية.. دون ان ننسى غينيا بيساو وجزر الرأس الاخضر وانغولا وايران مصدق وايران الخميني وسواها من البلدان التي تمردت على النظام الاميريالي سياسياً اواقتصادياً او هما معاً.
تتكرر الجدلية عينها اليوم في سياق لحظة العولمة من النظام الرأسمالي العالمي. فالى ان هذه العولمة قادت الى ميلاد المارد الصيني وبعض قليل من المراكز الاقتصادية الجديدة (الهند، البرازيل..)، قادت في الوقت عينه الى استيلاد ظاهرتين اعتراضيتين شديدتي الاثر: مناهضة العولمة على النطاق الكوني، ونشوء حال من العصيان الدولي على السياسات العولمية الجديدة في قسم كبير من دول العالم الثالث. فاما الظاهرة الاولى، فتألف جمهورها العريض من قاعدة اجتماعية متعددة التكوين على الصعيد الكوني، فالى قوى اليسار المنكوبة بتحولات العقدين الماضيين اجتمعت على المناهضة تلك النقابات العمالية؛ ونقابات المزارعين ؛ والمنظمات المهنية للطبقات الوسطى، وجمعيات عديدة لارباب صناعات اصابتها الهلكة، ونقابات للتجار اكثرها في بلدان الجنوب ناهيك بحركات الشبيبة والعاطلين عن العمل وجمعيات حقوق الانسان. ولقد شكل هذا الائتلاف غير المعلن قوة ذات اعتبار في مجتمعات الغرب خاصة وان كان يفتقر الى ثقافة سياسية جامعة، بل الى ايديولوجيا سياسية مشتركة. واما الظاهرة الثانية، فمثلتها حال التمرد السياسي التي اعلنها تباعاً قسم من دول اميركا اللاتينية اولها فنزويلا في وجه السياسة الاميركية وعلى نحو هدد مصالح الولايات المتحدة في حديقتها الخلفية التاريخية. والانكى، في الحساب الاميركي، ان ذلك التمرد لبس لبوساً اشتراكياً فاخرج كوبا من عزلتها المديدة.
هذه جدليات موضوعية لا ينفع معها النظر الى العولمة بوصفها فعلاً يمارسه الاقوى على الأضعف. وليست مشكلة هذا الضرب الاحادي والمبسط من النظر انه يستعيض عن التحليل بالعويل فحسب، وانما في انه لا يلحظ ما يمكن للأضعف ان يستثمره من العولمة كي لا يبقى الاضعف.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005